الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

القمريه مابين الفرجوني والأخطل

قد يلاحظ الباحث في بعض الاحيان تشابهاً كبيراً في الصور الشعريه لشاعرين مختلفين وهذا مايسميه استاذتا الدكتور ابراهيم القرشي بوقع الحافر على الحافر , وهذا يظهر جلياً خاصه بين شعراء الدوبيت في بادية السودان المختلفه وبعض الشعراء العرب القدامى , وقد يعزى هذا لتشابه البيئه الرعويه وبيئة الباديهالتي عاش فيها كلٌ منهم وكمثال على هذا دعوني اليوم أتطرق لقصة التشابه الجميل بين قصيده لشاعرين
مختلفين في المكان والزمان وهما الشاعر الكبير أحمد عبد الله البنا ( الفرجوني ) ذلك الشاعر الفذ وأحد أساطين الدوبيت أو الغنا كما يجب أن نسميه وغياث بن غوث بن الصلت والملقب بالأخطل والذي عاش في الباديه بين دجله والفرات تماماً كما الشاعر الفرجوني الذي عاش بين بادية النيل الازرق ونهر عطبره والدندر والرهد وهي بادية البطانه فللشاعر الفرجوني مسدار سماه مسدار القمريه , وهو عباره عن قصة دراماتيكيه يعبر فيها عن شوقه للمحبوبه التي كانت بعيدةُ عنه كما كانت محبوبة الأخطل كذلكً وسوف اتناول الابيات أو المقاطع التي وقع فيها التشابه فقط دون سرد القصيدتين كاملتين لطولهما وأنا لا أريد أن أطيل على القاري لذلك سوف اتناول أبيات بعينها يكون التشابه في الغرض واضحاً و ما يبرر رأيي , فكلا الشاعرين تطرق للحمى التي تصيب العاشقين بسبب الفراق وتطرقا للبكاء والدموع التي تنهمر بالليل كل ما طرأت ذكرى أو طاف طائف أو برق برق ماطر يذكر بالظعن أو مر عابر فالشاعرين كانا يبكيان وكانا يعانيان من الحمى والسهر فقال الأخطل في ذلك :

ظللت بها أبكي وأشعرُ سُخنةً ..... كما أعتاد محموماً مع الليل صالبُ
هلاليةُ شطَت بها غُربة النوى ..... فمن دونها بابٌ شـــديدُ وحـــاجبُ

وأما الفرجوني فقال في ذلك :

كل ماشاف برق في القبله ياخُد وجَه
يتقافى المـــــــنام من عينو ياخد لجَه
نيران الجحيم ليهو في الفراش مِنقجَه
ودكتور الغـــرام مع أهلو عامل حِجَه

وبكاء الفرجوني يظهر في قوله :

براي خلتني زي جاهلاً يتيم إتلفت
تقِطر عيني بالدمعه الرويه إتصفت

فقرر الفرجوني أن يرسل قمريه إلى محبوبته لتحمل سلامه وأشواقه وأخباره , والقمريه لمن لا يعرفها فهيمن جنس الحمام وهي من الدخاخيل ونحن في الريف نسميها ( الدباسه ) ولها طوق من الريش الاسود في عنقها أو بدونه , وأما إختيار الفرجوني لهذا الطائر لم يكن خبط عشواء فهو ومن سبقه اختارو هذا الطائرلأن من طبعه أنه لا يريد إلا زوجه فقط إلا أن يموت أحدهما , ويعود دائماً إلى وكره ولو كان بعيداً ويطير
بسرعه ويقطع مسافات طويله , ويخشى الشاهين وهو من الصقور لأنه أسرع منه وإذا رأته فيصيبها كما يصيب الحمار لو رأى الأسد .ومن الصدف الجميله أن الشاعرين جعلا الصقر يعترض طريق القمريه , ويركزان على وصف قوة الصقر وشدة جوعه وحدة بصره وقوة مطاردته للقمريه ليمهدان مسرح العقل حتى يدرك مدى الخطر الذي سوف تواجهه هذه القمريه في مسيرها ليجعلونا نتشوق و ننتظر كيف سوف تنجو القمريه من هذا الخطر الماحق فقال الفرجوني في وصف الصقر :

الصـــــقر المضر لا حسب لا راعى
لي مركب غرامي الجبدولها شراعه
شافا وإنعدل ختف الجـــــناح بسراعه
وإتجمع تقول حرحافا ماضيه ضراعه

وقال أيضاً فيه :
ياصقر السواد عينك تشــوف الإبره
يخرخر ماها جدول لا تطيب لا تبره

فالفرجوني صور لنا الصقر بالعدو الذي يملك أقوى أدوات القتال والمطارده , من عدم الحنيه والمراعاه وجناح سريع للكفت , والتنبه والبصر الحديد الذي باستطاعته أن يرى الابره في القش ولو كان في الجو .وأيضاً الأخطل وصف لنا الصقر وجوعه فجعل بصره حديد كما الفرجوني , وشبهه بالرادار أو جاسوس الجيش الذي لا تفوته فائته وهو يراقب الأفق , والصقران كانا في جوع شديد من شدة البرد الذي سببته الأمطار في أول النهار فقال الأخطل :

رجعتُ به يرمي الشخوص كأنه ...... قطامي طيرٍ أثخن الصيد خاضبُ
أحمُ حـــــديد الطرف أوحش ليلةً ..... وأعوزه أذخـــــاره والمكـــــــاسب
فظلَ إلى نصـــــف النهــــار يلفه ... بذي الحرث يوماً ذو قطارٍ وحاصبُ
فــأصبح مرتبياً إلى راس رُجــمةٍ ..... كما أشرف العـــلياء للجيش راقبُ
يقلبُ زرقـــاوين في مجـــــــرهدةٍ ..... فلا هو مسبوقٌ ولا الطرف كاذبُ

أختار الفرجوني أن يصعب مشوار القمريه التي أرسلها , حتى يصعب من مسيرها ويجعله صعباً لنعرف مدى المعاناة التعي عانتها من أجل توصيل الرساله , فجعل الصقر بكل الخطوره التي بينها لنا سرعته وقوته وجوعه وشراسته جعله يعترض تلك القمريه بنية أن يصطادها ويأكلها .أيضاً أختيار القمريه للصقر كما قلنا لم يكن خبط عشواء إنما لأن الصقور تحب لحم ذلك الطائر وتفضله من بين سائر الطيور وثانياً لأن القمريه أسرع من الصقر ليأخذانا إلى مطاردةٍ مثيرةٍ مسرحها الجو والأرض
الجرداء المجرهده , والخلا المنطرح واقوق كما يصفه الفرجوني , ومنظر المطارده هذا قد يعيه تماماً أبناء الريف لأنه حدث يحدث بأستمرار أمام أعينهم من مطاردة الصقور لأغلب الطيور , والحداة في خطف صغار الدجاج من أمام المنازل , ورسما لنا صوره جميله عن كيف يتطاردا ويعلوان في السماء ويغيبا عن الأنظار ثم يهبطان في خفه وسرعه ونهم وخوف وكيف كلٌ منهما يبذل قصارى ماعنده من جهد لينجح فقال الفرجوني
علَق فوق تقول نجمه وهجع شاتيها
جاها يخوي متل الصاقعه متواتيها
هيًق للكفِت لكـــــــين وقــع خــاتيها
قيع وإنعدل عـــــــقبان سبح بي تيها
****
حسَت بي هواهو إتدلدمت وإنصرت
وإنبرمت متل مُترار فـــــلانه الترَت
هوت بالصقيعه تقــــــول نجمةً خرَت
وخوَت جو تقول طنوب وجيبةً درت
****
غتسن في السما وقطعن سبيبة الشـــوف
عُقُب إتدنقسن لي الأرض يسوَن فُـــــوف
يتجمع عليها يشــــــــــوف حَمــار الدوف
وهي تنصر منو غادي تسو رحيل الخوف

وهناك كلمات دارجيه ذكرها الفرجوني في تشبيهاته أظنها غائبه عن كثير من القراء , مثل الطنوب والوجيبه والمترار وهيق وقيع ولكن روعة اللوحه قد تشرح نفسها ينفسها , ونفس المطاره بنفس القوه رسم أحداثها الشاعر الأخطل رغم أن الأخطل لم يكون قد أرسل القمريه إنما وصف لنا أهتمامها بالرجوع فقمرية الفرجوني جعل لها ما يحثها على السفر والعوده والأخطل جعلها أنها مُصيف ولدت في الصيف أعتادت أن تشرب في الجبأتين وهو إسم موضع به ماء وجعل مواعيدها في وقت العصر وكما ذكرنا سابقاً أنها تريد أن تشرب وترجع لصغارها في الوكر وبدأ يصف لنا المطارده قائلاً :

فحُمت له أُصــــلاً وقد ســـاء ظنه ..... مُصيفٌ لها بالجــبأتين مشارب
فعارضعها يهوي وصدت بوجهها..... كما صدً من حس العدو المكالبُ
فلم أرى مـــــاينحوه ينحو لطائرٍ ..... ولا مثل تاليها رأى الشمس طالبُ
فأهوى لها مـــا لا ترى وتحرَدت .....وقد فرَقت ريش الذنابي المخـالبُ
بلمعٍ كـــطرف العين ليست تريثه .....وركضٍ إذا ما واكل الركضَ ثايبُ

وكان لا بد للفرجوني أن تنجو قمريته وتصل دار المحبوبه لأنها تحمل أناته وآهاته وحبه ويريد لكل ذلك أن يصل من خلال القمريه فوصف لنا كيف نجت بالرغم من أنه صعَب مهمتها مره أخرى ولكن نحن هنا لا تعنينا , ولكن الغريب أن الأخطل نفسه جعل القمريه تنجو ولكن لا يمكن أن يخيب صقره لأنه كان يشبه به حصانه فجعل الصقر يعارض أسراب القطا فوق جبل عاهن فأصبح ضحية الصقر ورجع صقره شبعان في
نهاية المطاف .
فقال الفرجوني :
غير اليوما تام تب ما بتموت لك صيده
والبجدعها القدر قطعاً حربتو تصـــيده
معلــــــوم في المقانص تربح الرصيده
والنوم للقـــــماح وأم الزرع حِصِـــيده
****
حصلَت الفريق وديارو ساعة النـــــافله
نظرت في البنات من غير حِفَل والحافله
لقت في حــــبيبي كفل أم سبيب الجــافله
وعنق الريل وعــــيون الجِـــديَه الغــافله

أما الأخطل فقال بعد أن نجت القمريه :
فعارض أسراب القطا فوق عاهنٍ .... فممتنعٌ منه وآخر شــاجبُ
فلما تنــــــاهى من قلوبٍ طرية ٍ..... تذكًر وكراً وهو شبعان آيبُ

نستلهم مما سبق أن الصوره الشعريه قد تتطابق وخاصه عندما تتشابه البيئه , فالشاعران يتشابهان في أشياء كثيره غير هذه القصيده فهما يتشابهان في حبهم للصيد ويتشابهان في البيئه وطريقة العيش فكلاهما عاش في الريف في شبابه ثم ذهب للمدينه وكلاهما اشتغل بالسياسه وكلاهما رعاة (جقله ) الناقه , والصور الجميله والتي تجي سهله وواسعة الخيال تاتي من بعد النظر وإتساع مسرح المشاهده في بئية الريف التي تمد الشاعر بمناظر غير محدوده وغير منتهية , مد البصر خلاء واشجار تعج بالاحداث وتتنوع مشاهدها وتتنوع مسمياتها وتكثر طرقها ومساربها يتعايش بها الجميع البشر والشجر والحيوان بشقيه الاليف والضاري بئيه تفرض فيها الطبيعه سطوتها وقوانينها
وأتمنى أن ألتقي معكم في صوره أخرى .
ولكم الود